القائمة الرئيسية

الصفحات

اخر الاخبار[LastPost]


"إن الخبرة الإنسانية تسبق العلوم، فالعلم يأتي كمدوِّن للخبرة ومستخلِص للقوانين الحاكمة للسلوك البشري، هكذا هو الاقتصاد، فالتجربة والسلوك الإنساني هي الأساس للوصول إلى الفهم السليم للاقتصاد الذي يجب أن يكون صوب تفكيرك عندما تقبل على اتخاذ قرار سليم.


د. جاسم سلطان – خطواتك الأولى نحو فهم الاقتصاد"
ولعل أهم مراحل الفكر الاقتصادي هو الفكر اليوناني والذي ظهر بالتزامن مع عصر الفلسفة اليونانية، وبدأت مع الفيلسوف أفلاطون، ثم أرسطو – تلميذ أفلاطون- الذي عمل على تطوير الفكر الاقتصادي، عن طريق الحاجات الأساسية، والتبادل. ويأتي الفكر الاقتصادي الإسلامي في المرحلة الثانية، حيث يعتبر المفكرون العرب هم المؤسسون الحقيقيون للاقتصاد الحديث، من خلال الاعتماد على العقيدة الإسلامية، في تطبيق الأحكام القانونية الاقتصادية، وظهرت مؤلفات عربية عن الضرائب -الخراج- والنقود، والمجاعات، وخلافه، حيث كتب عدد من المفكرين المسلمين في هذه المجالات، مثل: يحيى بن آدم، والفارابي، وتقي الدين المقريزي، وغيرهم.

بانتهاء المرحلتين الأولى والثانية، جاء الفكر الاقتصادي الأوروبي الذي يعمل به العالم حتى الآن، حيث ظهر «آدم سميث» في عصر الأنوار (الحداثة)، ثم أتى«ديفيد ريكاردو» الذي أكمل مسيرة سميث في تطوير المدرسة الاقتصادية التقليدية، قبل أن يأتي الدور على الفيلسوف «ماركس» في القرن التاسع عشر، لتُدشَّن المدرسة الاقتصادية المعروفة باسم «الماركسية»، ثم ما تلا ذلك من الانقسام إلى «الرأسمالية»، و«الاشتراكية»، قبل أن تتولّى «الليبرالية الجديدة» زمام كلّ شيء تقريبًا.
إذا تابعتَ الاطّلاع في مجال الفكر الاقتصادي، ستجد نفسك أمام مفارقات قد تكون متناقضة أحيانا وغير واقعية أحيانا أخرى، وقفزات وإخفاقات وتحوّلات.. إلا أنّ هذا ضروري في الحد الأدنى منه، فلن تفهم الواقع الاقتصادي بدون جولة سريعة في سراديب الأفكار الاقتصادية المتنوعة لتكتمل الصورة التي ستقوم بالتحليل الاقتصادي على أساسها.
جون مينارد كينز

كيف تفكّر كأنك محلل اقتصاد؟

ليس تزويدنا بآلة أو أسلوب حل أعمى يعطينا إجابات لا تقبل الخطأ، وإنما يمدنا بأسلوب تفكير منظم يساعدنا في دراسة المشكلات وإيجاد حل لها.
أن تحلّل ظاهرة اقتصادية، يعني – ببساطة- أن تعيدها إلى عناصرها البسيطة التي يسهل فهمها بيسر أكثر من الظاهرة الكليّة ذاتها، ثم تبحث العلاقات بين هذه الظاهرة والظواهر الاقتصادية الأخرى، هل تؤثرّ هذه الظاهرة في تلك؟ هل جاءت نتيجة لها؟ أم أنها سببٌ أدّى إليها؟ وهكذا.. كلّ ذلك اعتمادًا على الاستنتاجات المنطقية أو التطبيقية التي تقررها العلاقات القائمة بين المعطيات الاقتصادية الملموسة في الواقع.
المحلل الناجح يقيّم الأمور وفقا لنظرة كلية لمنبعها الواقعي، وتأثّرها بالتغيّرات وتقييماتها، بينما يكتفي المحلل الفاشل بنظرة مختزلة إلى الآثار السطحية
وأنتَ حين تفكّر وتحلّل باعتبارات الواقع الاقتصادي، وتضع عامل الزمن باعتباره أمرًا جوهريًا، فأنتَ تتفادى التورّط في الانفصال الذي يقع فيه الأكاديميون العرب، الذين يفضّلون تحليل الظواهر تحليلًا سكونيًا غيرَ واقعي، لا يراعي الزمن. التحليل الحركي الذي يضع عامل «الزمن» في الاعتبار، تحليل واقعي يمكّنك من اتخاذ قرار اقتصادي صائب من خلاله.
وقد تطور التحليل الاقتصادي مع تطور علم الاقتصاد، حيث كان الاقتصاديون يكتفون بوصف الظواهر الاقتصادية عن طريق المشاهدة دون تحليل أو تفسير، ثم تحول الاقتصاد من مجال المشاهدة والوصف إلى مجال التحليل العلمي القائم على اكتشاف العلاقات السببية بين الظواهر المشاهدة في الحياة الواقعية.
المحلل الناجح هو من يقيّم الأمور وفقًا لجوهرها الحقيقي أو منبعها، بالإضافة إلى تقييم المتغيرات في كل موقف، أما المحلل الفاشل هو من يعطي رأيًا في ظاهرة ما دون أن يعلم السبب الحقيقي لهذه الظاهرة، ويولي الاهتمام للآثار السطحية أكثر من غيرها، ويعتمد رأيه على نظرة مختزلة بدلا عن النظرة الكلية. وأنتَ لا تريد أن تكون محللاً فاشلاً بالتأكيد.
وسواءٌ كان تحليلك الاقتصادي جزئيًا (يتناول السلوك الفردي وقراراته سواء المتعلقة بالإنتاج أو الاستهلاك، أو الاستثمار والادخار،.. إلخ)، أو كليًا (يتناول النشاط الاقتصادي عموما على المستوى القومي، من حيث الإنتاج والناتج القومي، الاستهلاك، الادخار، الاستثمار، الاستيراد والتصدير الخ، كما يتناول كيفية تحقيق التوازن بين المتغيرات وآثار اختلال توازنها على البطالة والتضخم وأسعار صرف العملة وخاصة على النمو الاقتصادي ومستوى المعيشة)… فلابدّ قبل أن تبدي رأيك في أيّة ظاهرة اقتصادية في المجتمع، أن تضع هذه النقاط الأساسية في اعتبارك: (المناخ السياسي – القضايا الأساسية الشاغلة – التجارب السابقة – التصريحات الرسمية والتوقعات – الوضع الاقتصادي العالمي – أذواق وتفضيلات المجتمع).
أنت بهذا لا تضع يدك على تفسيرات لما يحدث في العالم الاقتصادي وفقط؛ وإنما يصبح بإمكانك التفكير في بدائل مختلفة للقرارات، والاختيار الواعي بين هذه البدائل ونتائجها، والتنبؤ بالتغيرات المستقبلية المترتبة، كما يوفر لك أداة سليمة لرسم وتقييم السياسات الاقتصادية، وأساسًا سليمًا للحكم على كفاءة النظام الاقتصادي.
ورغم هذه الفوائد للتحليل الاقتصادي، إلا أنه لا يمكن الوثوق الأعمى بنتائج التحليل الاقتصادي، لأن علم الاقتصاد شديد التعقيد، لكونه كما ذكرنا يتناول سلوك الإنسان فلا يخلو من العواطف.
أخيرًا، بعد هذه الجولة السريعة عبر مدخل فهم الاقتصاد، واللمحة الخاطفة عن الفكر والتحليل الاقتصاديين، نستطيع الآن أن نقول أنك أصبحت تعرف طريقك نحو امتلاك قدرة على التحليل الاقتصادي السليم، ولكن مع خوض هذه التجربة ستقابلك بعض الفجوات المبهَمة في التحليل، سيفيدك كثيرا أن تملأ هذه الفجوات بالإطلاع على كتاب على الأقل من هذين الكتابين: «الاغتيال الاقتصادي للأمم: اعترافات قرصان اقتصاد» لجون بركنز، و«عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث» لناعومي كلاين.
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات